يدين المركز السوري للإعلام وحرية التعبير وفاة الشاب محمد غميرة نتيجة تعرضه للتعذيب في مخفر الحفة, ويعرب عن قلقه البالغ إزاء استمرار وقوع حالات التعذيب وغيره من ضروب المعاملة اللاإنسانية في سوريا. ويطالب السلطات السورية الانتقالية بضمان إجراء تحقيق سريع ومستقل ونزيه وفعّال في ملابسات احتجازه وتعذيبه ووفاته ومحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاك..
وإن كان تشكيل لجنة من قبل وزارة الداخلية للتحقيق في ملابسات الوفاة خطوة إيجابية، فإن المركز يؤكد أن فعالية التحقيق ومصداقيته تتطلبان ضمان استقلال اللجنة وحيادها عن الجهة والأفراد المشتبه بمسؤوليتهم عن الانتهاك. وفي ضوء تبعية الجهة محل التحقيق لوزارة الداخلية، يرى المركز ضرورة أن تضم اللجنة أطرافاً مستقلة من خارج الوزارة، بما في ذلك ممثل عن السلطة القضائية يُسمّى من قبل مجلس القضاء الأعلى، بما يضمن استقلال التحقيق وحياده ويحول دون أي تضارب في المصالح أو تأثير محتمل على مجرياته ونتائجه. كما ينبغي ضمان الشفافية في إجراءات التحقيق والإعلان عن نتائجه وإحالة كل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء المختص.
كما يدعو المركز إلى وقف جميع أفراد المخفر المشتبه بصلتهم بالواقعة عن العمل بصورة مؤقتة إلى حين انتهاء التحقيق، واتخاذ التدابير اللازمة لحفظ جميع الأدلة ذات الصلة، بما في ذلك سجلات الاحتجاز والتحقيق والمناوبات والتسجيلات المتاحة، والاستماع إلى الشهود والمحتجزين والعاملين في مكان الاحتجاز، وإجراء فحص طب شرعي مستقل يحدد أسباب الوفاة ويوثق آثار التعذيب أو سوء المعاملة. وينبغي أن يشمل التحقيق تحديد المسؤولية عن الانتهاك على جميع المستويات، وألا يقتصر على المسؤولية المباشرة، بما يشمل كل من أمر بالتعذيب أو شارك فيه أو تستر عليه أو امتنع عن منعه رغم قدرته على ذلك.
ويؤكد المركز أن حظر التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة حظر مطلق لا يجوز تبريره تحت أي ظرف، وأن التعذيب جريمة دولية خطيرة قائمة بذاتها، وليس مجرد تجاوز فردي أو خطأ أو مخالفة مسلكية. كما أن التعذيب مجرم صراحة في القانون السوري بموجب القانون رقم 16 لعام 2022، الذي قد تصل فيه العقوبة إلى الإعدام عندما يفضي التعذيب إلى موت إنسان.
وفي هذا السياق، يؤكد المركز أن واجب السلطات لا يقتصر على التحقيق والمساءلة بعد وقوع التعذيب، وإنما يمتد بالدرجة الأولى إلى اتخاذ جميع التدابير القانونية والمؤسسية والعملية اللازمة لمنع وقوعه، وضمان حماية جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم من التعذيب وسوء المعاملة. كما يشدد المركز على ضرورة عدم اختزال خطورة التعذيب في الحالات التي تفضي إلى الوفاة؛ إذ إن العديد من حالات التعذيب وسوء المعاملة للأسف لا تحظى بالقدر ذاته من الاهتمام عندما لا يترتب عليها موت الضحية، رغم ما تشكله بذاتها من انتهاكات جسيمة.
وكان المركز قد حذر، في بيان أصدره بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026، من استمرار وقوع حالات التعذيب وسوء المعاملة في سوريا بعد سقوط النظام، حيث وثّق المركز منذ سقوط النظام وحتى تاريخ البيان 25 حالة تعذيب وسوء معاملة ارتكبتها السلطات السورية الانتقالية أو جهات تابعة لها، من بينها 9 حالات وفاة تحت التعذيب. ودعا المركز في بيانه إلى استكمال إعداد واعتماد وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمناهضة التعذيب ووضع منظومة وقائية فعّالة تحول دون وقوع التعذيب وسوء المعاملة أساساً، بما يشمل ضمان خضوع جميع أماكن الاحتجاز لرقابة مستقلة ومنتظمة وتعزيز الإشراف القضائي الفعال على الاحتجاز وضمان حق المحتجزين في الوصول إلى محامٍ والحصول على الرعاية الطبية منذ اللحظات الأولى للاحتجاز ووضع آليات آمنة وفعّالة للإبلاغ عن التعذيب وسوء المعاملة.
كما شدد المركز على ضرورة تأهيل وتدريب عناصر إنفاذ القانون والأجهزة الأمنية والعاملين في أماكن الاحتجاز على الحظر المطلق للتعذيب وحقوق الأشخاص المحرومين من حريتهم، وأساليب الاستجواب القانونية على أن يقترن ذلك بإجراءات مؤسسية واضحة للرقابة والمساءلة. فمناهضة التعذيب لا تبدأ بعد وقوع الانتهاك، وإنما تتطلب بناء منظومة احتجاز وإنفاذ قانون تمنع وقوعه، وتتيح الكشف عنه مبكراً، وتضمن التحقيق والمساءلة الفعّالة عند وقوعه.
يمكن قراءة بيان المركز السوري للإعلام وحرية التعبير الصادر بمناسبة اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب بتاريخ 26 حزيران/يونيو 2026، عبر الرابط التالي




