جلسة 23 أيلول/سبتمبر 2026
في 23 أيلول/سبتمبر 2026، عُقدت الجلسة الختامية أمام محكمة الناحية في لاهاي، المنعقدة في روتردام، في القضية المتعلقة بضلوع المتهم المزعوم مع تنظيم «داعش»، وموقعه المزعوم داخل الجهاز الأمني للتنظيم المعروف بـ «الأمني». . وجاءت الجلسة عقب المرافعة الختامية للنيابة العامة بتاريخ 16 سبتمبر/أيلول 2026، وخُصصت بشكل أساسي لرد النيابة العامة على دفوع الدفاع.
وقد تناولت النيابة العامة حجج الدفاع المتعلقة بقبول الأدلة ومصداقيتها، وهُوية المتهم، والمشاركة المزعومة في تنظيم “داعش” بوصفه منظمة إرهابية، والصلة بين الجرائم المنسوبة والنزاع المسلح في سوريا، وجرائم الحرب المزعومة، والموقع القيادي المنسوب للمتهم. وعقب ذلك، قدم الدفاع عقب ذلك رداً محدوداً على تفنيد النيابة العامة، متمسكاً بعدم كفاية الأدلة لإثبات التهم بما لا يدع مجالاً للشك المعقول. كما تناولت الجلسة مسألة التوقيف الاحتياطي للمتهم والجدول الزمني الإجرائي اللاحق.
وفي بداية الجلسة، أُشير إلى حضور مترجم شفوي جديد للمتهم.
تفنيد النيابة العامة
قدمت النيابة العامة بعد ذلك ردها على دفوع الدفاع. وأوضح وكيل النيابة العامة أن الرد اتبع هيكل مذكرات الدفاع، وكان الهدف منه تناول الحجج الرئيسية التي أثارها الدفاع. ودفع الادعاء العام بأن العديد من حجج الدفاع تفتقر إلى الأساس الواقعي أو أنها غير صحيحة من الناحية الواقعية. كما أشار إلى أن عدداً من انتقادات الدفاع قد جرى تناولها بالفعل، جزئياً على الأقل، في المرافعة الختامية للنيابة العامة.
تناولت النيابة العامة أولاً طلب الدفاع الرامي إلى عدم قبول الدعوى العمومية. ووفقاً لما دفع به الادعاء العام، فإن أي انتهاكات إجرائية يجب أن تكون على قدر كافٍ من الجسامة حتى تترتب عليها مثل هذه النتيجة استناداً إلى الحق في محاكمة عادلة. وأكدت النيابة العامة أن الانتهاكات المزعومة التي استند إليها الدفاع لم تبلغ تلك العتبة الإجرائية الموجبة للبطلان. و بالإحالة إلى السوابق القضائية للمحكمة العليا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، تمسكت النيابة العامة بأن الخرق الواقع على الحقوق الإجرائية لا يبرر الآثار القانونية البالغة الأثر (كعدم قبول الدعوى) إلا إذا أثر على عدالة الإجراءات برمتها. وترى النيابة العامة أن الدفاع لم يثبت قيام مثل هذه الحالة.
ردت النيابة العامة أيضاً على استناد الدفاع إلى قرينة البراءة؛ إذ كان الدفاع قد انتقد تصريحات علنية صادر عن النيابة العامة والمدعي العام بشأن القضية، مع الإشارة بوجه خاص إلى بيان صحفي صادر عن “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” (SCM). وصرحت النيابة العامة بأنها مسؤولة عن تصريحاتها العلنية الخاصة بها، لكنها غير مسؤولة عن التصريحات الصادرة عن منظمة غير حكومية أجنبية خارجية مثل المركز السوري للإعلام وحرية التعبير. ووفقاً لما أبدته النيابة العامة، فإن التصريحات الصادرة عن المدعي العام لم ترقَ هي الأخرى إلى مستوى التصريح بثبوت إدانة المتهم. ودَفَعت النيابة العامة بأنه يُرخص للنيابة العامة مناقشة الشبهات المنسوبة إلى المتهم والأساس الواقعي لتلك الشبهات دون أن يُعد ذلك افتراضاً للإدانة. وبناءً عليه، تمسكت النيابة العامة بعدم وقوع أي خرق لقرينة البراءة. كما تناولت المخاوف التي أثيرت أعقاب التصريحات التي أدلى بها المتهم أثناء وجوده في التوقيف الاحتياطي، والمتعلقة بوجود مخطط محتمل للفرار من السجن واحتجاز أفراد من طاقمه كرهائن. وأكدت النيابة العامة أن مناقشة المخاوف الناشئة عن أقوال المتهم وسلوكه الشخصي لا تشكل انتهاكاً لقرينة البراءة.
وأشارت النيابة العامة كذلك إلى أن الشبهات المنسوبة إلى المتهم تتناول فترة زمنية تمتد لعدة سنوات؛ ودَفَعت بناءً على ذلك بأنه لا يمكن اختزال نطاق الشبهات في مجرد التساؤل عما إذا كان المتهم قد شغل موقعاً قيادياً فحسب، إذ إن ضلوعه المزعوم عبر تلك الفترة الزمنية الأوسع يُعد مسألة ذات صلة بالإجراءات وتصح مناقشتها أمام المحكمة.
ثم تناولت النيابة العامة مسألة الشهود المجهولي الهوية؛ وأقرت بوجود العديد من الشهود المجهولي الهوية في ملف القضية، لكنها شددت على أن ذلك يرجع إلى الخوف الذي يعتري عدد من هؤلاء الشهود. وأكدت النيابة العامة أنه يتوجب بناءً عليه فهم وجود الشهود المجهولي الهوية في سياق التحقيقات المتعلقة بتنظيم “داعش”.
وكان الدفاع قد انتقد أيضاً الفرص المتاحة له لإجراء تحقيقاته الخاصة، ودفع بعدم توافر مبدأ تكافؤ وسائل الدفاع والادعاء (Equality of arms). غير أن النيابة العامة رفضت هذا الدفع؛ وأوضحت أنها كانت ترغب هي الأخرى في الاستماع إلى الشهود المعنيين لو كان ذلك ممكناً.وفيما يتعلق بالشهود المرتبطين بـ “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” (SCM)، بينت النيابة العامة أنه لم يتم الاستماع إليهم مجدداً، إلا أن سُبُلاً أخرى كانت متاحة للحصول على معلومات منهم، بما في ذلك التسجيلات الصوتية والمواد المتاحة الأخرى. وأكدت النيابة العامة علاوة على ذلك أن المواد الصادرة عن المركز المذكور (SCM) لم تُستخدم بذاتها كأدلة إثبات ضد المتهم؛ وبناءً على ذلك، فإن أي شكوك تحيط بالطريقة التي عمل بها «المركز السوري للإعلام وحرية التعبير»، لا يمكن أن تشكل – وفقاً للنيابة العامة – خرقاً إجرائياً يُنسَب إلى السلطات الهولندية .
تناولت النيابة العامة أيضاً الصعوبات العملية التي واجهت عملية التحقيق؛ حيث أشارت إلى غياب علاقة قانونية [إنابة قضائية] مع سوريا والتعقيدات التي شابت العلاقة مع تركيا، موضحةً أنه لم يكن بالإمكان إرسال الشهود ببساطة إلى الخارج لاستجوابهم. ودفعت النيابة العامة كذلك بأن التعاون الاعتيادي بين سلطات إنفاذ القانون لا يستلزم بالضرورة تقديم طلب رسمي للمساعدة القضائية المتبادلة. فعندما يُطلب من سلطات دولة أخرى بيان ما إذا كانت تمتلك معلومات عن شخص معين، يعود لتلك الدولة تحديد الكيفية التي تستجيب بها. وفيما يتعلق بالمواضيع والمواد المحصلة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، أفادت النيابة العامة بأن المكتب قد أشار إلى إمكانية استخدام تلك المواد كأدلة إثبات في الإجراءات الجنائية. وبناءً عليه، فإن غياب طلب رسمي للمساعدة القضائية لا يمنع – وفقاً لرأي النيابة العامة – من استخدام تلك المواد واستثمارها كأدلة.
ردت النيابة العامة أيضاً على استشهاد الدفاع بحكم صدور براءة جزئية في قضية ألمانية؛ ودَفَعت بأن الحكم الألماني لم يثبت، في أقصى أحواله، سوى أن الأدلة المتاحة في تلك القضية بعينها لم تكن كافية للإدانة. فضلاً عن ذلك، فإن المتهم لم يظهر اسمه في الحكم المذكور. وبناءً عليه، فإن الدعوى الألمانية لا تُثبت – حسب النيابة العامة – عدم كفاية الأدلة في المحاكمة الهولندية الحالية. وأقرت النيابة العامة بأن التحقيق كان معقداً واستغرق وقتاً طويلاً، لكنها رفضت مع ذلك الطرح القائل بأن تعقيد التحقيق يشكل أساساً أو مسوغاً لاستبعاد الأدلة.
ثم تناولت النيابة العامة انتقادات الدفاع المتعلقة بمواد الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT). وكان الدفاع قد دفع بأن الرسائل والتقارير تفتقر إلى الوضوح والموثوقية الكافيين. ورداً على ذلك، بينت النيابة العامة أنه جرى فحص مصداقية وسائط البيانات المتاحة إلى أقصى حد ممكن؛ ودَفَعت بأن تحديد هوية الأشخاص الأصليين وراء كل معلومة على حدة ليس حاسماً بالضرورة لإثبات مصداقيتها، نظراً لأن السياق الذي أُنتجت فيه المعلومات وجرى تداولها فيه يُعد مسألة ذات صلة أيضاً. وبحسب النيابة العامة، فإن الصحفيين الذين جمعوا تلك المعلومات هم موضع ثقة وموثوقون. وأوضحت النيابة العامة كذلك أن أربعة من شهود “المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” لم يُعرض عليهم سوى صورة واحدة للمتهم في أواخر جلسات استجوابهم ولم يروا الصورة قبلاً. ورفضت التفسيرات والروايات التي قدمها المتهم نفسه بشأن وجوده في سوريا حيثما تعارضت تلك التفسيرات مع سائر أدلة الإثبات الأخرى.
عاد الادعاء العام أيضاً للحديث عن تقرير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، الذي كان قد أعطى الدفعة الأولى للتحقيق الهولندي. وكان الدفاع قد دفع باحتمالية تأثر الشهود ببعضهم البعض لأن أحد الشهود كان قد وجه المحققين إلى شاهد آخر. وتمسك الادعاء العام بأن هذا الأمر لا يشكل مشكلة في حد ذاته، مشيراً إلى أنه لا يصبح إشكالياً إلا إذا كان الشهود قد نسقوا أو طابقوا شهاداتهم لاحقاً. ودفع الادعاء العام بأن ما أثاره الدفاع بشأن وجود صلات بين الشهود هو مجرد تخمين ولا يثبت وجود اتفاق مسبق على شهاداتهم. وتمسك الادعاء العام بإمكانية بقاء شهادات الشهود موثوقة حتى لو كان الشاهد قد انخرط مع جماعة مسلحة أخرى؛ مشيراً في هذا الصدد إلى تقييم قاضي التحقيق، ومؤكداً أن الانتماء إلى جماعات مثل “جبهة النصرة” أو الارتباط بها لا يطعن تلقائياً في مصداقية الشاهد.
كما ميزت النيابة العامة بين الشهود الذين جرت معاملتهم بحذر والشهود الذين جرى استبعاد أدلتهم في النهاية. فقد قدم أحد الشهود رواية متسقة لواقعة تتوافق مع المعلومات المتاحة للعموم؛ ولا يجعل اقتصار ضلوع تنظيم “داعش” في تلك الواقعة على نحو غير مكتمل – وفقاً للنيابة العامة – شهادة الشاهد غير موثوقة. في حين كان شاهد آخر منخرطاً مع جماعة مسلحة، وأقرت النيابة العامة بأنه تم تقييم أدلته بناءً على ذلك بحذر خاص؛ وفي تلك الحالة، أُعتبرت شهادة الشاهد في النهاية غير موثوقة، وأعلنت النيابة العامة أنها لا تستند إليها.
ثم عادت النيابة العامة إلى مسألة الموقع المزعوم للمتهم داخل تنظيم “داعش”؛ وأكدت على أن الشبهات تتناول ضلوع المتهم مع تنظيم “داعش” ككل. ودَفَعت النيابة العامة بأنه لا يوجد أساس منطقي للفصل بين “جانب إرهابي” مفترض للتنظيم وجانب آخر منه. وأوضحت النيابة العامة أن الشهود كانوا يعرفون عموماً أن المتهم كان جزءاً من الجهاز الأمني ، على الرغم من أنه كان من الصعب على الشهود تحديد الأدوار والمواقع الدقيقة لمختلف الأفراد داخل الهيكل التنظيمي لـ “داعش”.
تناولت النيابة العامة أيضاً البيانات الوصفية (الـ Metadata) المرتبطة بالمواد المحصلة من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)؛ ودَفَعت بأن وجود البيانات الوصفية لا يعني بالضرورة أن المعلومات المندرجة تحتها قد نبعت أصلًا من وسائل التواصل الاجتماعي. وكان الدفاع قد أشار إلى وجود ملف مفقود ظاهرياً وتحديد موقع غير صحيح في تلك المواد. وأقرت النيابة العامة بهاتين الإشكاليتين، وأوضحت أنه جرى تصحيح الموقع لاحقاً وتضمينه في محضر رسمي منفصل. وبحسب النيابة العامة، فإن هذه الإشكاليات لا تجعل المواد الصادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي غير موثوقة في ذاتها.
ردت النيابة العامة أيضاً على التفسير الذي قدمه الدفاع بشأن مقطع فيديو يظهر فيه أطفال؛ حيث كان الدفاع قد ألمح إلى أنه نظراً لوجود أطفال، فإن الشريط قد يكون صُوِّر في حفل زفاف. ودَفَعت النيابة العامة بأن أصغر شخص يظهر في الفيديو يبلغ من العمر حوالي 15 إلى 16 عاماً، ولم يكن من غير المألوف بالنسبة لتنظيم “داعش” تجنيد فتية في هذا العمر، ومن ثم لا توجد أي قرينة في التسجيل تشير إلى تصويره في حفل زفاف. وأفادت النيابة العامة كذلك بأن التفسير الذي قدمه المتهم يفتقر إلى الموثوقية، متسائلةً عن الأدلة المستقلة التي قدمها الدفاع لتأييد ادعائه بتصوير المقطع في حفل زفاف. وبناءً عليه، تمسكت النيابة العامة بأنه لا يمكن استبعاد مواد مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) أو إهدار قيمتها لمجرد القول بعدم موثوقيتها.
ثم تناولت النيابة العامة انتقادات الدفاع الأكثر شمولاً لشهادات الشهود؛ وأكدت على أن شهادات الشهود المجهولي الهوية تعززها وتسندها أدلة إثبات أخرى. وفقاً للنيابة العامة، فإن الدفاع يعمد بشكل متكرر إلى تجزئة كل دليل على حدة واستخلاص التناقضات بمعزل عن سائر الأدلة. ودَفَعت النيابة العامة بأن هذه ليست الطريقة التي تُقيّم بها المحاكم الأدلة؛ بل يجب بدلاً من ذلك تقييم الأدلة في مجملها ككتلة واحدة، مع تقدير التناقضات في سياق الصورة الإثباتية العامة للدعوى.
شددت النيابة العامة على أهمية كل من كثرة الأدلة والتماسك المتبادل فيما بينها . ودفعت بأنه يتوجب على المحكمة، بناءً على ذلك، تقييم الصور الفوتوغرافية، وشهادات الشهود، والمواد الرقمية، وسائر أدلة الإثبات الأخرى مجتمعة ككتلة واحدة، بدلاً من التعاطي مع كل دليل باعتباره مسألة مستقلة ومعزولة عن غيرها.
تناولت النيابة العامة بعد ذلك عدة تناقضات محددة استند إليها الدفاع؛ وتمسكت بأنه يمكن، رغم ذلك، اعتبار الشاهد الذي وصف رؤيته لعملية إعدام موثوقاً، وأن روايته معقولة ومقبولة في ضوء الطريقة التي وصف بها المتهم نفسه الأحداث ذات الصلة. وبحسب النيابة العامة، فإن خطأ الشاهد في تحديد سنة وقوع حادثة الإعدام لا يُعد بالضرورة أمراً حاسماً للطعن في مصداقية الشهادة في مجملها.
ودَفَعت النيابة العامة أيضاً بأن شيوع المعلومة ومعرفتها بوجه عام بين أفراد المجتمع المحلي المعني لا يجعل منها شائعة تلقائياً؛ إذ إن السياق الذي تم فيه تداول تلك المعلومات يُعد أمراً هاماً. وتمسكت النيابة العامة بأن موقع المتهم المنسوب إليه داخل تنظيم “داعش” وجهاز “الأمني” كان معروفاً على نحو كافٍ في البيئة المعنية، بما يفسر سبب تداول المعلومات المتعلقة به بين السكان المحليين.
وأفادت النيابة العامة كذلك بأن الأقوال والشهادات المبرئة التي استند إليها الدفاع قد جرى تفنيدها والرد عليها بالفعل خلال مرافعتها الختامية.
ثم عادت النيابة العامة إلى العلاقة بين القانون الجنائي الهولندي والقانون الجنائي الدولي. وكان الدفاع قد دفع بأن النيابة العامة لم تثبت بشكل كافٍ الصلة بين سلوك المتهم والغرض الاجرامي أو الإرهابي للتنظيم. ورداً على ذلك، بينت النيابة العامة أن القانون الجنائي الهولندي والقانون الجنائي الدولي يختلفان في عدة جوانب، ومن ثم فإن الموازنة المباشرة بين النظامين قد ترقى إلى حد المقارنة بين أطر قانونية مختلفة؛ إذ يمتلك كل نظام جنائي قواعده الخاصة المتعلقة بالاشتراك الإجرامي. وبحسب النيابة العامة، يتوجب على المحكمة الهولندية تطبيق الإطار القانوني الهولندي والتفسير المستقر عليه هولندياً لمفهوم الاشتراك.
تناولت النيابة العامة بعد ذلك مسألة الصلة (Nexus) بين الجرائم المنسوبة إلى المتهم والنزاع المسلح؛ وتمسكت بأن الاحتجاز التعسفي قد جرت معالجته بالفعل في الاجتهاد القضائي الحديث، وأن مفهومه أوسع مما طرحه الدفاع. وأوضحت النيابة العامة أن نظام السيطرة الذي فرضه تنظيم “داعش” ومناخ الرعب الذي أوجده لا يمكن فصلهما عن النزاع المسلح الذي ينشط فيه التنظيم. وشددت على التمييز بين الدول والجماعات المسلحة المنظمة: فالدول هي كيانات ذات سيادة، بينما تستمد الجماعات المسلحة سلطتها في الإقليم المعني من خلال ممارسة القوة المسلحة. وبناءً على ذلك، ترى النيابة العامة أن العنف الذي مارسه تنظيم “داعش” وسيطرته على الأراضي لا يمكن فصلهما عن النزاع المسلح، وهو أمر جوهري لإثبات الرابطة القانونية المطلوبة.
ثم عادت النيابة العامة إلى قضية إصدار الأحكام وتنفيذها دون محاكمة سابقة؛ وأكدت على التمييز بين الصور المختلفة لإصدار الأحكام وتنفيذها، وتمسكت بأن الصور الثلاث المعترف بها في الاجتهادات القضائية للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) يمكن تطبيقها في القضية الحالية. وبحسب النيابة العامة، فإن وجود اختلافات بين النسختين الهولندية والإنجليزية للنصوص ذات الصلة لا يجعل النسخة الإنجليزية غير واضحة أو متناقضة. ودَفَعت النيابة العامة بأنه يتوجب تفسير النصوص المعنية مع إيلاء اهتمام خاص لضمانات المحاكمة العادلة (كفالة أصول المحاكمة القانونية) وشرط وجود إجراءات قضائية حقيقية قبل فرض العقوبة أو تنفيذها.
تناولت النيابة العامة أيضاً المادة (7) من قانون الجرائم الدولية الهولندي (International Crimes Act)؛ ودَفَعت بأن الهدف من هذا النص هو تمكين الإطار القانوني الهولندي من استيعاب الانتهاكات للقانون الدولي الإنساني التي لم تُعالج صراحةً في مواضع أخرى، بما في ذلك التطورات التي قد تطرأ على القانون المعاهدي مستقبلاً. وبحسب النيابة العامة، فإن عدم الاعتراف بالاحتجاز التعسفي تاريخياً بالأسلوب أو النطاق ذاته لا يعني امتناع اندراجه تحت نطاق المادة (7). وتمسكت النيابة العامة بأن المسألة الجوهرية تكمن في مدى توافق الاحتجاز السابق على صدور الحكم القضائي مع القواعد والإجراءات القانونية الواجبة التطبيق.
وكان الدفاع قد دفع بأن السجن المعروف باسم “السجن رقم 4” (the Four) كان يُستخدم للجرائم والمخالفات البسيطة نسبياً. ورداً على ذلك، بينت النيابة العامة أن العديد من الشهود الذين كانوا محتجزين هناك قد شاهدوا المتهم في ذلك الموقع. ووفقاً لهؤلاء الشهود، فإن المنشأة لم تكن مقراً لمنشآت الاحتجاز للجرائم البسيطة، بل كان يُحتجز فيها الأشخاص في ظروف تنطوي على التعذيب والاحتجاز دون إجراءات قانونية سليمة. ودَفَعت النيابة العامة بأن الدفاع لم يقدم ما يثبت أو يوضح سبب وجوب اعتبار هذه المنشأة سجناً للمخالفات والجرائم البسيطة.
أوضحت النيابة العامة أن المتهم لا تُجرَى محاكمته بناءً على مسؤوليته الشخصية أو المباشرة عن كل حادثة إعدام منفردة يُزعم أنها وقعت في تلك المنشأة؛ بل ينصب جوهر دعوى الادعاء العام على أنه كان يشغل موقعاً قيادياً داخل الجهاز الأمني، وهو جهاز يُزعم أنه نفذ عمليات إعدام دون محاكمة سابقة. وأشارت النيابة العامة أيضاً إلى سوابق قضائية سابقة، ودَفَعت بأنه ليس بالضرورة اتباع الاجتهادات القضائية الدولية في الحالات التي اتخذت فيها المحاكم الهولندية إطارها القانوني الخاص الواجب التطبيق وطورته.
وفي ختام ردها، عادت النيابة العامة إلى ما اعتبرته المسألة الجوهرية الماثلة أمام المحكمة: ما إذا كانت الأدلةُ – بمجملها وككتلة واحدة – تُعزّز وتُؤيّد رواية النيابة العامة أم أنها تُساند التفسير الذي قدّمه المتهم. وبحسب النيابة العامة، يتوجب على المحكمة في نهاية المطاف أن تبتّ فيما إذا كان جميع الشهود قد وقعوا، على نحوٍ مستقلّ وبصورة منفردة، في خطأٍ بشأن ضلوع المتهم، أم أن الأدلة تثبتُ وتُؤكّد مسؤولية المتهم عن السلوكيات والجرائم المنسوبة إليه.
وتمسكت النيابة العامة بوجود اعتراضات شديدة ووجيهة لاستمرار احتجاز المتهم، وأن استمرار حبسه الاحتياطي يُعد مبرراً بالنظر إلى جسامة الاتهامات الموجهة إليه وما ترتب عليها من اضطراب وإخلال بالشيوع والأمن والنظام القانوني العام .وبناءً عليه، عارضت النيابة العامة طلب الدفاع بإلغاء أو إيقاف تنفيذ الحبس الاحتياطي للمتهم، ودَفَعت باستمرار المبررات والموجبات الداعية لبقائه رهن الاحتجاز.
الدفاع :
قدم الدفاع بعد ذلك رداً موجزاً على تعقيب النيابة العامة. وصرح محامي الدفاع بأن معظم المسائل ذات الصلة قد جرى بحثها وتناولها باستفاضة في مرافعات الدفاع، ومن ثم فهو يرغب في التركيز على عدة نقاط محددة.
وقد عاد الدفاع أولاً إلى موضوع المواد الرقمية؛ ودَفَع بأن مصدر الوسائط الرقمية لا يزال غير واضح، وأن هذا الغموض يؤثر في القيمة الثبوتية لهذه المواد. وبحسب الدفاع، فإنه لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت وسائط البيانات هذه تعود في أصلها بالفعل إلى تنظيم “داعش”.
وشكك الدفاع أيضاً في شهادة أحد الشهود المتعلقة بزعم احتجازه من قبل تنظيم “داعش”؛ ودَفَع بأنه لا يزال من الصعب التثبت على نحو دقيق من زمان ومكان وقوع هذا الاحتجاز، وما إذا كانت رواية الشاهد صحيحة من الناحية الواقعية. وبشكل أكثر عمومية، تمسك الدفاع بأن شهادات الشهود لا ترتقي إلى معيار الإثبات «المستند إلى ما يدرأ كل شك معقول» . ودَفَع بأن الشهود يفتقرون إلى القدر الكافي من اليقين، وأن بعضهم لم يتمكن من التعرف على المتهم بصفته عضواً في جهاز “الأمني”. وبحسب الدفاع، فإن الشهود قد وصفوا ما يعتقدون أنه الحقيقة، إلا أن رواياتهم تظل روايات شخصية (غير موضوعية) .
ودَفَع الدفاع كذلك بأن القيمة الإقناعية لبعض شهادات الشهود قد انتقصت وتأثرت جراء عرض صور المتهم على الشهود قبل استجوابهم. وتمسك بأن هذا المنهج ينطوي على خطر إمكانية تعريف الشهود للمتهم لاحقاً بناءً على المعلومات التيُ زودوا بها تلقينياً، بدلاً من الاعتماد على ذاكرتهم الشخصية المباشرة.
ثم سلط الدفاع الضوء على ما اعتبره خلافاً جوهرياً بين موقفه وموقف النيابة العامة؛ إذ يرى الدفاع أن النيابة العامة تبدو وكأنها تُسلّم بأن مجرد إثبات كون المتهم قيادياً في جهاز “الأمني” يُعد كافياً لإدانته. وهو ما جادل الدفاع في صحته، مُأكدين أنه حتى لو ثبت كونه قيادياً، فإن هذا لا يؤدي تلقائياً وبالمعيار الإجرائي إلى إثبات ارتكابه للجريمة ذات الصلة.
وأشار الدفاع إلى مبدأ المسؤولية الجنائية القائمة على الفعل ، دافعاً بأن المسؤولية الجنائية تتطلب وجود فعل مادي ملحوظ وملموس بدلاً من الاقتصار على النية المجردة أو الصفة. وبحسب الدفاع، فإن الانتماء إلى تنظيم ما قد يتخذ أيضاً شكلاً سلبياً (مجرد العضوية غير الفاعلة)، ولا يمكن له بمفرده أن يُرسي أو يثبت الاشتراك الإجرائي/المساهمة الجنائية.
ودَفَع الدفاع كذلك أنه في الحالات التي يُزعم فيها أن شخصاً ما كان قيادياً، يتوجب تحديد أشكال ملموسة وعملية للمساهمة الإجرامية. وقد تشمل الأمثلة على ذلك: إصدار الأوامر، أو التواصل مع وسائل الإعلام، أو ترؤس الاجتماعات، أو اتخاذ أفعال أخرى محددة وقابلة للتحقق. وفي القضية الماثلة، جادل الدفاع بأنه لم يتم إثبات مثل هذه الأفعال المادية الملموسة. وبناءً على ذلك، أكد الدفاع أنه كان يتوقع رؤية سلوك واضح وظاهر يُنسب لشخص يُزعم أنه شغل موقع (مسؤول أمني) داخل تنظيم “داعش”. وفي تقديره، فإن غياب هذا السلوك المادي الملموس يعني أن الرتبة أو الصفة القيادية المنسوبة للمتهم لا يمكن، بمفردها، أن تكون سنداً أو أساساً للحكم بالإدانة.
وعاد الدفاع أيضاً إلى التبعات والآثار الناجمة عن تصرفات النيابة العامة والتغطية الإعلامية للأنباء المتعلقة بالحياة الخاصة للمتهم؛ حيث بيّن أن التصريحات والعلنية والصور المنشورة بشأن هذه الدعوى قد ألحقت ضرراً بالغاً بأسرة المتهم. وعلى وجه الخصوص، يُزعم أن ابنة المتهم قد تعرضت للتنمر والمضايقات بسبب الصور والاتهامات المتداولة في وسائل الإعلام، وهو ما أدى في النهاية إلى تحرير بلاغ رسمي لدى الشرطة.
وفي الختام، كرر الدفاع طلبه بإلغاء الحبس الاحتياطي للمتهم، دافعاً بانتفاء مبرر الاثني عشر عاماً (Twelve-year ground) وسائر المبررات والأسباب القانونية ذات الصلة بالاحتجاز. وعلى سبيل الاحتياط (كطلب احتياطي)، طلب الدفاع إيقاف تنفيذ الحبس الاحتياطي (تعليقه بشروط).
طلب الدفاع
قضت المحكمة لاحقاً في الطلب المتعلق بالحبس الاحتياطي؛ حيث قررت عدم إلغاء الحبس الاحتياطي. ورأت المحكمة أن الشبهات والأدلة القوية ضد المتهم لا تزال قائمة، وأشارت إلى الاستمرار في مراعاة الخطر والاضطراب الواقع على النظام والسكينة القانونية العامة . وذكرت المحكمة أنها أخذت المصالح الشخصية للمتهم بعين الاعتبار، غير أنها اعتبرت أنها لا ترجح على المبررات الموجبة لاستمرار احتجازه.
ومُنح المتهم الفرصة لإلقاء كلمته الأخيرة، إلا أنه امتنَع عن ذلك.
ثم قررت المحكمة رفْع الجلسة وتأجيل الإجراءات إلى يوم 25 نوفمبر 2026 في تمام الساعة 13:00؛ وستكون الجلسة المقرر عقدها في ذلك التاريخ شكليّة بحتة وتتعلق بالإغلاق الشكلي للإجراءات.
ومن المقرر النطق بالحكم في 4 ديسمبر 2026 في تمام الساعة 13:00 بمدينة روتردام.
تنويه
لا تُعد هذه الوثيقة سجلاً رسمياً لجلسة المحكمة، وإنما هي ملخص جرى إعداده بالتعاون مع ‘مؤسسة نوهانوفيتش’ (Nuhanovic Foundation) استناداً إلى ملاحظات ميدانية جُمعت من خلال حضور ممثليها لجلسات المحاكمة. كما نود التنويه بأن هذه الترجمة هي ترجمة غير رسمية، نُشرت لأغراض المعلومات فقط، ولا تُعتبر وثيقة قانونية معتمدة.




