المرافعة الختامية للادعاء العام
في 16 أيلول/ سبتمبر 2026، عُقدت الجلسة أمام محكمة لاهاي الجزئية، المنعقدة في روتردام، والمتعلقة بالقضية المرفوعة ضد المدعى عليه لضلوعه المزعوم مع تنظيم “داعش” ودوره ضمن الجهاز الأمني للتنظيم، المعروف باسم “الأمني”. خُصصت الجلسة للمرافعة الختامية للادعاء العام؛ حيث تناول الادعاء العام التحقيق، والسياق الأوسع لتواجد تنظيم “داعش” في سوريا، والوضع في اليرموك وجنوب دمشق، والإطار القانوني الواجب التطبيق، والأدلة المتعلقة بهوية المدعى عليه وموقعه داخل تنظيم “داعش”، وموثوقية شهادات الشهود، بالإضافة إلى العقوبة التي رآها مناسبة.
الخلفية والتحقيق :
في مستهل الجلسة، تناول المدعي العام موقف المدعى عليه خلال مجريات الدعوى. ووفقاً للادعاء العام، فإن المدعى عليه قد أنكر الاتهامات وشكك في كونه الشخص الذي أشار إليه أحد الشهود بـ “الكنية” (اسم عربي أو لقب، غالباً ما يُستخدم كاسم حركي). وأكد المدعي العام أن الأدلة المقدمة في القضية ترسم صورة مختلفة؛ مشدداً على خطورة الاتهامات وموضحاً أنها تنطوي على إرهاب وجرائم دولية. وعلى الرغم من أن المدعى عليه لا يُلاحق قضائياً في هذه الدعوى بسبب عمليات قتل فردية محدودة أو جرائم حرب فردية أخرى، فقد شدد الادعاء العام على أن المدنيين السوريين قد عانوا جراء السلوك المنسوب لتنظيم “داعش” وجهازه الأمني، دافعاً بأن خطورة مثل هذه الجرائم تتطلب المساءلة وأن الإفلات من العقاب لا ينبغي أن يكون خياراً مطروحاً.
ثم أوضح الادعاء العام كيفية بدء التحقيق. ففي 4 حزيران/ يونيو 2020، تلقى فريق الجرائم الدولية (TIM) التابع للشرطة الهولندية بلاغاً من المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، وهو منظمة مستقلة تحقق في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان في سوريا. وأشار البلاغ إلى ربط شخص يستخدم “كنية” بتنظيم “داعش” وجهازه الأمني “الأمني”. ووفقاً للبلاغ، فقد شغل هذا الشخص منصباً قيادياً داخل الجهاز الأمني للتنظيم، وكان يُعتقد أنه يقيم في هولندا. وفي عام 2021، تلقى فريق (TIM) أدلة من ساحة المعركة من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) تم فيها تحديد المدعى عليه كمسؤول عن الأفراد/الموظفين داخل تنظيم “داعش”. وبناءً على ذلك، أجرى الفريق تحقيقات إضافية شملت فحص منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي والمواد الأخرى المتاحة. وأدى التحقيق في نهاية المطاف إلى تحديد هوية المدعى عليه البالغ من العمر الآن 41 عاماً، والذي كان يعيش في هولندا منذ عام 2019 ويقيم في بلدة “آركيل”، حيث أُلقي القبض عليه في كانون الثاني/ يناير 2023.
ذكر الادعاء العام أن التحقيق شمل في نهاية المطاف الاستماع إلى 27 شاهداً من قِبل الشرطة و12 شاهداً من قِبل قاضي التحقيق. ووفقاً للادعاء العام، فقد ظهرت الكنية نفسها في قوائم موظفي/أفراد تنظيم “داعش” وفي مواد موثّقة أخرى. كما أظهرت صورٌ وفيديو استُرجعت من أجهزة رقمية مرتبطة بالتنظيم المدعى عليه برفقة قادة بارزين في تنظيم “داعش”
أوضح الادعاء العام أن التحقيق تضمن أيضاً الحصول على مواد من التحقيقات الألمانية وإصدار طلبات عبر قنوات إنفاذ القانون. ومع ذلك، ووفقاً للادعاء العام، فإن ذلك لم يسفر عن أدلة كافية لملاحقة المدعى عليه قضائياً عن جرائم حرب فردية محدودة. ولهذا السبب، قرر الادعاء العام تركيز لائحة الاتهام على عضوية المدعى عليه المزعومة ودوره القيادي داخل تنظيم “داعش”، وبشكل خاص موقعه المزعوم داخل جهاز “الأمني”. وذكر الادعاء العام أن المدعى عليه لا يُحاكم بالتالي في هذه القضية على نحو خاص بتهم القتل الفردي أو التعذيب أو غيرها من الجرائم الفردية المزعوم ارتكابها من قِبل تنظيم “داعش”. ومع ذلك، فإن هذا لا يستبعد إمكانية أن تؤدي أدلة إضافية إلى إجراءات قضائية أخرى في مرحلة لاحقة. كما أشار الادعاء العام إلى أن التحقيق استغرق وقتاً طويلاً بسبب تعقيد القضية، وأن المدعى عليه كان قد أُمضى حتى ذلك الحين أكثر من ثلاث سنوات ونصف في الحجز الاحتياطي ما قبل المحاكمة.
تنظيم “داعش” في جنوب دمشق والإطار القانوني الواجب التطبيق :
ثم وضع الادعاء العام القضية ضمن السياق الأوسع للنزاع في سوريا؛ حيث أُولِيَ اهتمامٌ خاص لمخيم اليرموك وللأحياء المحيطة به في جنوب دمشق. كان مخيم اليرموك قد أُنشئ في الأصل لاستضافة اللاجئين الفلسطينيين ثم تطور إلى منطقة مكتظة بالسكان في دمشق، ولم تكن هناك حدود واضحة ومحددة تفصل داخل المخيم، حيث كان السوريون والفلسطينيون قادرين على التفاعل والتواصل فيما بينهم. وخلال الحرب الأهلية السورية، أصبحت المنطقة مسرحاً للاقتتال بين عدة مجموعات مسلحة. وفي عام 2012، تصاعدت الأعمال العدائية، وفي كانون الأول/ ديسمبر تم فرض السيطرة على المخيم، فردّ النظام السوري بالقصف، مما أدى إلى فرار ثلثي سكان المخيم. وفي عام 2013، شهد المخيم مجاعة حادة أسفرت عن كارثة إنسانية بالغة القسوة، وفي كانون الثاني/ يناير 2014، أُعيد فتح بعض المنافذ جزئياً لدخول الإمدادات والمواد الغذائية.
كان تنظيم “داعش” متواجدًا بالفعل في سوريا من خلال علاقته ونزاعه مع “جبهة النصرة”. وفي نيسان/ أبريل 2015، فرض التنظيم سيطرته على مخيم اليرموك. ووفقًا للادعاء العام، فإن التوترات بين تنظيم “داعش” و”جبهة النصرة” كانت قد تصاعدت، وقام التنظيم لاحقًا بطرد المقاتلين التابعين لـ “جبهة النصرة”. وبحلول عام 2016، أصبح تنظيم “داعش” يسيطر على ما بين 50% إلى 60% من المخيم والأحياء المجاورة. وفي نهاية المطاف، تخلى التنظيم عن المواقع المتبقية له في جنوب دمشق، بما في ذلك مخيم اليرموك، في عام 2018.
تناول المدعي العام أيضاً الصعوبات التي واجهت عملية التحقيق؛ فوفقاً للادعاء العام، أظهرت التحقيقات في الجرائم التي ارتكبها تنظيم “داعش” أن الناشطين والأفراد الآخرين الذين حاولوا الكشف عن هذه الجرائم وفضحها علناً تعرضوا للتهديد النظامي/المنهجي، أو الاحتجاز، أو الإجبار على مغادرة المنطقة. وعُرِض ذلك بوصفه جزءاً من السياق الذي كان يقتضي جمع الأدلة المتعلقة بتنظيم “داعش” وأنشتطه في جنوب دمشق في ظله.
وقبل مناقشة الأدلة الفردية، تناول الادعاء العام الإطار القانوني الواجب التطبيق. تعلق الاتهام الأول بالمشاركة في تنظيم “داعش” بوصفه منظمة إرهابية بموجب المادة 140 من قانون العقوبات الهولندي بالاقتران مع المادة 1(4) من قانون الجرائم الدولية (WIM). وذكر الادعاء العام أن المحكمة تتمتع بالولاية القضائية، مشيراً إلى المادة 1(4) من قانون الجرائم الدولية بالاقتران مع المادة 140 من قانون العقوبات الهولندي. كما تطرق المدعي العام إلى المسائل المتعلقة بالقيادة والعلاقة بين المدعى عليه وقادة كبار آخرين في تنظيم “داعش”، مستشهداً بالسوابق القضائية الهولندية السابقة، بما في ذلك قضية “فيشر” (Vescher) وحكم محكمة الاستئناف في لاهاي الصادر في 7 تموز/ يوليو 2026 (ECLI:NL:PHR:2026:290).
تناول الادعاء العام أيضاً الاتهام المتعلق بتنظيم “داعش” بوصفه منظمة إرهابية تهدف إلى ارتكاب جرائم حرب، ودفَع بأن الوضع في سوريا كان يشكّل نزاعاً مسلحاً ذو طابع غير دولي (NIAC). ووفقاً للادعاء العام، فإن الشروط اللازمة كانت متوفرة نظراً لوجود عنف مسلح مستمر ولأن المجموعات المنخرطة فيه كانت منظمة بدرجة كافية. كما تطرق المدعي العام إلى مسألة ما إذا كان المدعى عليه على علم بوجود النزاع المسلح، دافعاً بأن موقع المدعى عليه يمكن أن يكون ذو صلة عند تحديد مدى علمه بذلك.
كانت المسألة القانونية الجوهرية التي نوقشت خلال الجلسة هي شرط وجود صلة بين الجرائم المزعومة والنزاع المسلح؛ حيث كانت هيئة الدفاع قد طعنت في وجود مثل هذه الصلة. وبناءً على ذلك، استغرق الادعاء العام وقتاً طويلاً في توضيح أسبابه لقناعة استيفاء شرط “الصلة” .
وفقاً للادعاء العام، كانت المسألة المحورية هي ما إذا كان النزاع المسلح قد لعب دوراً جوهرياً -على الأقل- في الأسلوب أو الغرض أو الظروف التي أُرتكبت فيها الجرائم. واستشهد المدعي العام بالسوابق القضائية الدولية والهولندية، دافعاً بأن المسؤولية الجنائية عن جرائم الحرب لا تقتصر فقط على الأشخاص القاطنين خطوط القتال الأمامية أو المشاركين مباشرة في الأعمال العدائية.
استشهد الادعاء العام بالعديد من القضايا السابقة دعماً لهذا الدفع، بما في ذلك قضية “همبل” (Humble) وقضية “فيشر” (Vescher). ففي قضية “همبل”، نظرت المحكمة في الجرائم التي ارتكبها تنظيم “داعش” ضد المدنيين وغيرهم من غير المقاتلين في سياق النزاع المسلح. كما أشار الادعاء العام إلى قضية ” الحسن” ( the ICC’s Al Hassan case) أمام المحكمة الجنائية الدولية وإلى التفسير الصادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ودفع المدعي العام بأن الأهداف السياسية والعسكرية لتنظيم “داعش” كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً، وأن هدفه المتمثل في توسيع “الخلافة” لا يمكن فصله عن أنشطته العسكرية. وبناءً على ذلك، تمسك الادعاء العام بأن الجرائم المزعومة مرتبطة بالنزاع في سوريا ارتباطاً كافياً.
انتقل الادعاء العام بعد ذلك إلى جرائم الحرب المحددة التي ادعى أنها كانت تشكّل جزءاً من أهداف تنظيم “داعش”. تعلقت الفئة الأولى بالاعتداءات على الحياة والكرامة الشخصية، بما في ذلك القتل والتعذيب. وأشار الادعاء العام إلى المادة 6(1)(أ) من قانون الجرائم الدولية، دافعاً بأن الضحايا كانوا من الأشخاص المشمولين بالحماية لأنهم لم يكونوا يشاركون في الأعمال العدائية. كما دفع بأن المعاملة المهينة والمستحطة من القدر يمكن أن تشكّل اعتداءً على الكرامة الشخصية. واستشهد الادعاء العام بقضية “الحسن”، التي اعتُبرت فيها الطبيعة العلنية لبعض الأفعال ذات صلة بالإهانة والمهانة التي لحقت بالضحايا.
تعلقت الفئة الثانية بإصدار وتنفيذ الأحكام القضائية دون صدور حكم سابق عن محكمة تشكّلت تشكيلاً قانونياً، وفق ما ورد في المادة 6(1)(د) من قانون الجرائم الدولية (WIM). ودفع الادعاء العام، خلافاً للتفسير الذي أخذت به المحكمة في قضية “شافون” (Shaffon)، بأنه لا ينبغي حصر هذا النص في أحكام الإعدام فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل أشكال العقاب الأخرى أيضاً. ودعماً لهذا التفسير، استشهد المدعي العام بالمادة الثالثة المشتركة بين اتفاقيات جنيف، والمادة 6 من البرتوكول الإضافي الثاني، والمادة 8(2)(ج) من نظام روما الأساسي، فضلاً عن حكم “الحسن” الصادر عن المحكمة الجنائية الدولية، وتفسير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وقضية “ميرنس” (Merens) الهولندية.
تناول الادعاء العام كذلك الخلافات والتضاربات في الترجمات الهولندية للنصوص ذات الصلة. وبشكل خاص، فإن المصطلح الإنجليزي “passing of sentences” قد يشير إلى إصدار الحكم، في حين إن المصطلح الهولندي “vonnis” قد يشير أيضاً إلى قرار قضائي ينتهي بالبراءة أو الإفراج. ودفع المدعي العام بأن هذا الاختلاف المصطلحي ليس تجريداً من الأهمية القانونية.
كما نوقشت الصياغة المتعلقة بـ “إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات”؛ حيث رأى الادعاء العام أنه لا ينبغي بالضرورة فهم مصطلح “التنفيذ” (execution) على أنه يقتصر حصراً على تنفيذ أحكام الإعدام، بل يمكن تفسيره على نحو أوسع ليشمل تنفيذ أو تطبيق أحكام العقوبات عموماً. ودفع المدعي العام بأن هذا التفسير الأوسع مدعوم بالوثائق المتعلقة بالمفاوضات التي أفضت إلى اتفاقيات جنيف.
تعلقت الفئة الثالثة بالاحتجاز التعسفي؛ حيث استند الادعاء العام إلى المادة 7 من قانون الجرائم الدولية (WIM)، ووصفها بأنها نصٌّ يغطي انتهاكات قوانين وأعراف الحرب. وأشار إلى قضايا هولندية سابقة، بما في ذلك قضيتي “فيشر” (Vescher) و”ميرنس” (Merens)، فضلاً عن الغرف المتخصصة لكوسوفو (Kosovo Specialist Chambers). ووفقاً للادعاء العام، فإن الاحتجاز التعسفي يشكل جزءاً من القانون الدولي العرفي، وكان يتوجب أن يكون الضحايا المعنيون من الأشخاص المشمولين بالحماية الذين كفّوا عن المشاركة في الأعمال العدائية.
الأدلة ومصداقية الشهود :
ثم انتقل الادعاء العام إلى مناقشة الأدلة في القضية، موضحاً أن ملف القضية ضخم ويتألف من 4500 صفحة تحتوي على وثائق، وتقارير، وأدلة من ساحة المعركة، وصور فوتوغرافية، ومقاطع فيديو، وإفادات شهود. وأوضح المدعي العام أن الادعاء لم يرَ من المناسب المضي قدماً في الملاحقة القضائية عن جرائم حرب فردية محدودة بناءً على الأدلة المتاحة، على الرغم من عدم استبعاد إمكانية القيام بذلك في مرحلة لاحقة. وركّز الادعاء العام بشكل خاص على الأدلة الموضوعية، دافعاً بأن هذه الأدلة تدعم -على نحو مستقل- الاستنتاج بأن المدعى عليه قد شارك في تنظيم “داعش” بوصفه منظمة إرهابية وشغل موقعاً قيادياً/رفيعاً داخل التنظيم.
تطرق الادعاء العام أيضاً إلى أدلة الشهود؛ حيث استمعت الشرطة إلى 27 شاهداً، كما استمع قاضي التحقيق إلى 12 شاهداً، من بينهم شهود مجهولو الهوية وشهود مهددون. وتناول الادعاء العام إفادات العديد من الشهود، بمن فيهم (أ أ) و(ب أ) و(ب أ م)، وناقش مدى مصداقيتهم واعتماديتها.
فيما يتعلق بالشاهد (أ أ)، أشار الادعاء العام إلى أنه صانع أفلام وثائقية شهد العديد من الأحداث في مخيم اليرموك، وكانت لديه صلات بشخص ينتمي إلى أحد أطراف النزاع. ودفع الادعاء العام بأن مثل هذه الصلات ليست غير معتادة في سياق النزاعات المسلحة، ولا تُضعِف مصداقيته تلقائياً كما ادعت هيئة الدفاع.
رأى الادعاء العام أن إفادات الشاهد (ب أ) تتمتع بالمصداقية، مشيراً إلى أنه كان ناشطاً معارضاً للنظام السوري وكان قد اعْتُقِل من قِبل تنظيم “داعش”. ورغم أن الشاهد (ب أ) لم يشهد شخصياً ارتكاب المدعى عليه لجرائم محدودة، فقد دفع الادعاء العام بأن إفاداته كانت مدعومة بأدلة موضوعية.
وكان الشاهد (ب أ م) قد أدلى سابقاً بإفادة أمام الشرطة الألمانية. ووفقاً للادعاء العام، لم تكن هناك أي مؤشرات تدل على أن (ب أ م) قد بالغ في حجم دور المدعى عليه. كما رفض الادعاء العام الطرح القائل بأن (ب أ م) حاول التقليل من حجم تورطه الشخصي، وهو الطرح الذي أثارته هيئة الدفاع.
تناول المدعي العام بشكل منفصل موضوع الشهود مجهولي الهوية والشهود المهددين، مقراً بأن القيود المطبقة على الكشف عن هوياتهم قد حدّت من قدرة هيئة الدفاع على ممارسة حقها في استجوابهم. ومع ذلك، دفع الادعاء العام بأن قاضي التحقيق قد تصرّف في إطار أحكام القانون واتخذ التدابير المناسبة لحماية هؤلاء الشهود.
وفقاً للادعاء العام، فإن تقييم ما إذا كانت المحاكمة عادلة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مجمل الأدلة والضمانات الإجرائية التعويضية ككل متكامل. فقد تمكّنت هيئة الدفاع من تقديم أسئلة مكتوبة وأسئلة أخرى عبر قاضي التحقيق. وبناءً عليه، دفع الادعاء العام بعدم وقوع أي انتهاك للمادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان رغم القيود المفروضة على مناقشة الشهود واستجوابهم.
ذكر الادعاء العام أيضاً أنه لن يستند إلى إفادات شهود معينين بسبب وجود تناقضات فيها، أو لعدم إمكانية الاستماع إليهم من قِبل قاضي التحقيق، أو لعدم تمكن هيئة الدفاع من استجوابهم. وكقاعدة عامة، لم يُستند إلى شهادات أفراد العائلة، باستثناء إفادة زوجة المدعى عليه. ودفع الادعاء العام بأن الأدلة العائدة لفترات خارج النطاق الزمني المحدد رسمياً للاتهام قد تكون ذات صلة مع ذلك؛ نظراً لأن المشاركة في تنظيم ما يمكن أن تحتفظ بأهميتها وحجيتها الإثباتية مع مرور الوقت.
جهاز “الأمني” والدور المزعوم للمدعى عليه :
انتقل الادعاء العام بعد ذلك إلى تنظيم “داعش” نفسه وأنشطته في جنوب دمشق، موضحاً أن وصف “داعش” بوصفه منظمة إرهابية هو أمرٌ غير متنازع عليه، ومن ثمّ لا يتطلب مناقشة مستفيضة. ودفع الادعاء العام بأن تنظيم “داعش” في جنوب دمشق كان يشكّل جزءاً لا يتجزأ من التنظيم ككل، وشاركه الهدف ذاته المتمثل في توسيع “الخلافة”. ورأى الادعاء العام أن وقوع الأنشطة المزعومة تحديداً في جنوب دمشق لا يغيّر من الطبيعة القانونية للتنظيم.
أُولِيَ اهتمامٌ خاصٌّ لجهاز “الأمني”، الذي وصفه الادعاء العام بأنه جزءٌ محوريّ من هيكلية تنظيم “داعش”. ووفقاً للادعاء العام، كان جهاز “الأمني” متورطاً في جمع المعلومات الاستخباراتية، واعتقال الجواسيس المزعومين واستجوابهم، وتنفيذ أحكام الإعدام، وإدارة مرافق الاحتجاز. ودفع المدعي العام بأن الجهاز لعب بالتالي دوراً حاسماً في إشاعة الخوف والحفاظ على سيطرة التنظيم. كما أشار إلى أن الاعتقالات كانت تتم -حسب المزاعم- دون مذكرات توقيف، وأن تهمة التجسس كانت كفيلة بالإفضاء إلى الإعدام. وأضاف الادعاء العام أن جهاز “الأمني” حظي بموقع مرموق داخل التنظيم، وأن “الأمير” فيه كان يتبوأ منصباً رفيعاً ضمن هيكليته القيادية.
ودفع الادعاء العام بأن تنظيم “داعش” كان يهدف إلى ارتكاب جرائم حرب، مستنداً إلى مصادر علنية تُوثّق عمليات إعدام المرتدين والمدنيين والأقليات. كما استند إلى حكم قضية “همبل” (Humble)، الذي أثبت أن تنظيم “داعش” استهدف قتل الأشخاص المشمولين بالحماية، بما في ذلك عن طريق عمليات الإعدام العلنية التي أُريَد منها ترهيب السكان. وأظهرت الأدلة وإفادات الشهود -وفقاً للادعاء- وقوع عمليات قتل في مخيم اليرموك وتوزيع مواد توثقها علناً.
كما أشار الادعاء العام إلى العقوبات البدنية المفروضة وفقاً لتفسير تنظيم “داعش” للشريعة الإسلامية، بما في ذلك قطع الأيدي بتهمة السرقة والجلد العلني بتهمة تعاطي المخدرات. ودفع بأن عمليات الإعدام العلنية، وضع المتهمين بالردة في أقفاص، والعقوبات البدنية تشكل انتهاكاً للكرامة الشخصية، مستنداً في ذلك إلى حكم قضية “الحسن”، الذي اعترف بأن الإهانة والمهانة العلنية تشكل عنصراً ذا صلة بوقوع مثل هذه الانتهاكات.
وأشار المدعي العام أيضاً إلى مرافق الاحتجاز التابعة لتنظيم “داعش” ومحاكمه الشرعية. وأوضح تقريرٌ صادراً عن منظمة العفو الدولية -استشهد به الادعاء العام- أن الاحتجاز لدى التنظيم قد يواجه إجراءات دون تهم رسمية أو أحكام قضائية أو محاكمات عادلة. ووصِفَت هذه الإجراءات بأنها قسرية وصورية إلى حد كبير، إذ لا تستغرق في بعض الأحيان سوى دقائق معدودة، مع افتراض إدانة المتهمين فعلياً. وأظهرت الأدلة المزعومة أن المحتجزين لم يُتاح لهم التواصل مع محامين، وأن الأحكام كانت تُصدر شفهياً في كثير من الأحيان.
وتناول الادعاء العام أيضاً مسألة الاحتجاز التعسفي، دافعاً بأن أفراداً احتُجزوا دون اتباع الإجراءات القانونية الأصولية أو وجود مسوغات مشروعة. وتعلقت الأدلة باحتجاز الأطفال، والعبودية، والعبودية الجنسية، فضلاً عن المنشآت التي أدارها جهاز “الأمني”، والتي شهدت -وفقاً للمزاعم- ممارسات متكررة للتعذيب، وعمليات الإعدام الصورية، والإعدامات الفعليه. وكشفت الأدلة عن استهداف منهجي للصحفيين، والناشطين، والمدنيين الفارين، وأولئك المتهمين بالخيانة أو التعاون مع “الجيش السوري الحر”.
وأخيراً، دفع الادعاء العام بأن الضحايا كانوا من الأشخاص المشمولين بالحماية لأنهم كانوا مدنيين أو أفراداً كفّوا عن المشاركة في النزاع المسلح، وأكد تحقّق “شرط الصلة” (Nexus) المطلوب بالنزاع السوري. واستناداً إلى قضية “همبل” (Humble)، دفع الادعاء بأن الصلة التي أُثبتت في تلك القضية في جرائم القتل والانتهاكات الواقعة على الكرامة الشخصية يجب أن تنطبق بالتساوي على الجرائم المزعومة الأخرى. ووصف الادعاء العام مناخ الخوف الذي أوجده تنظيم “داعش” بأنه كان جزءاً من استراتيجيته للحفاظ على السيطرة وتوسيع نفوذه الإقليمي.
تركز الجزء المحوري من مرافعة الادعاء العام بعد ذلك على المدعى عليه نفسه. فوفقاً للادعاء العام، اقترن اسم المدعى عليه بـ “الكنية” (المُكْنَى بها) في المصادر العلنية، وتقرير المركز السوري للإعلام وحرية التعبير (SCM)، وغيرها من مواد التحقيق. وناقش الادعاء التباينات المتعلقة بتاريخ زواج المدعى عليه؛ حيث دفع المدعى عليه بأنه لا يمكن أن يكون هو الشخص المقصود بهذه الكنية لأنه كان متزوجاً بالفعل في عام 2013، في حين أشارت أدلة أخرى إلى أن زواجه قد تم في عام 2014. ودفع الادعاء العام بأنه بصرف النظر عن هذا التباين، فإن هناك أدلة إضافية جوهرية تحدد هويته بوصفه الشخص المرتبط بهذه الكنية.
وأشار الادعاء العام بوجه خاص إلى صور فوتوغرافية تظهر المدعى عليه برفقة قادة بارزين في تنظيم “داعش”. ووفقاً للمدعي العام، فقد تعرّف المدعى عليه على نفسه في تلك الصور، كما تعرّف عليه الشهود أيضاً. وأشار الادعاء العام كذلك إلى مقطع فيديو يظهر فيه المدعى عليه -حسب المزاعم- وهو يشارك في أنشودة تمجيدية للتنظيم. وأظهرت الوثائق المتعلقة بتنظيم “داعش” في جنوب دمشق أن الشخص الذي استخدم تلك الكنية كان يتلقى أموالاً من التنظيم. وبناءً عليه، رفض الادعاء العام التفسير الذي قدمه المدعى عليه ومفاده أن شخصاً آخر يحمل كنية مشابهة هو المسؤول؛ موضحاً أن تحقيقاته لم تعثر على أي أدلة تربط ذلك الشخص البديل بالكنية المعنية.
ودفع الادعاء العام بعد ذلك بأن المدعى عليه لم يكن مجرد عضو عادي في تنظيم “داعش”، بل شغل منصباً قيادياً فيه. وأشار المدعي العام إلى اتصالاته المزعومة مع شخصيات بارزة في التنظيم، وإلى الصور ومقاطع الفيديو التي تحدد هويته بوصفه عنصراً أمنياً في “داعش”. وأفادت إفادات الشهود -حسب المزاعم- بتواجده في مراكز الاحتجاز ووصفته بأنه الذراع الأيمن لـ “أبي مجاهد”. كما أشار الادعاء العام إلى أدلة تثبت رؤية المدعى عليه وهو يحمل سلاحاً ويرتدي حزاماً ناسفاً.
ووفقاً للادعاء العام، فقد شاهد الشهود المدعى عليه في مراكز احتجاز تنظيم “داعش”، حيثُ يُزعم أنه كان يصدر الأوامر للحراس، وربما كان هو نفسه متورطاً في عمليات الاستجواب والتعذيب. ودفع الادعاء العام بعدم وجود أي مؤشرات تدل على انتهاء منصبه القيادي عندما غادر مخيم اليرموك. وبناءً على ذلك، وصَفَه الادعاء العام بأنه كان شخصية بارزة داخل التنظيم، وتحديداً بوصفه أميراً في جهاز “الأمني”.
ودفع الادعاء العام أيضاً بأن المدعى عليه كان على علم تِام بأنشطة تنظيم “داعش” وأهدافه. ووفقاً للمدعي العام، فقد ارتكب التنظيم جرائم خطيرة على نحو منهجي وواسع النطاق، كما يُزعم أن المدعى عليه أقام علاقات وثيقة مع أعضاء بارزين في التنظيم. ودفع الادعاء بأنه، بالنظر إلى منصبه ونفوذه المزعومَيْن، لم يكن بوسعه أن يكون جاهلاً بأهداف تنظيم “داعش”.
كما قُدِّم تواجد المدعى عليه في منطقة النزاع وتصريحاته الخاصة المتعلقة بالنزاع السوري والجماعات المشاركة فيه بوصفها أموراً ذات صلة بالإثبات. ورفض الادعاء العام استمراره في الإنكار وادعاءه بعدم التثبت من الهوية (الخطأ في التعرف على الشخصية)، مشيراً إلى أن هذا الادعاء الأخير لم يُثار إلا في مرحلة متأخرة من الإجراءات.
وخلص الادعاء العام في النهاية إلى أن التهم قد أُثبتت وفقاً للمعيار القانوني المطلوب؛ مُصراً على أن المدعى عليه كان عضواً في تنظيم “داعش” وأنه شغل منصباً قيادياً داخل جهاز “الأمني” طوال الفترة الزمنية المحددة للاتهام.
تحديد العقوبة (العقوبة المطلوبة) :
تعلّق الجزء الأخير من الجلسة بتحديد العقوبة. وشكّك الادعاء العام في خطورة الجرائم المزعومة مؤكداً على فداحتها، وأشار إلى أعمال العنف الممتدة التي ارتكبها تنظيم “داعش”. ووفقاً للمدعي العام، لعب جهاز “الأمني” دور أداةً محورية في ارتكاب هذه الأفعال، وقد شغل المدعى عليه -بوصفه أميراً مزعوماً للجهاز- موقعاً ينطوي على مسؤولية جسيمة داخل التنظيم. ووصَف الادعاء العام تنظيم “داعش” بأنه منظمة مسؤولة عن جرائم على درجة بالغة الخطورة، ودفع بأن المدعى عليه قد انضم إليها عن قناعة أيديولوجية وعمل ضمن صفوف قيادتها العليا.
وشدد الادعاء العام على أنه لا يُمحَّمِّل المدعى عليه المسؤولية الجنائية الشخصية عن كل جريمة فردية ارتكبها تنظيم “داعش” أو جهازه “الأمني”، بل دفع بأن دوره القيادي المزعوم داخل التنظيم يُعد أمراً ذا صلة ومباشر التأثير في الجرائم المُسندة إليه في لائحة الاتهام.
فيما يتعلق بالجريمة الأولى، أشار الادعاء العام إلى السجن لمدة 6 سنوات كنقطة انطلاق، مع حد أقصى ينص عليه القانون يبلغ 8 سنوات. أما بالنسبة للجريمة الثانية، فقد وُصِف الحد الأقصى بأنه السجن لمدة 30 عاماً أو السجن المؤبد. وذكر الادعاء العام أنه ينبغي تطبيق الحد الأقصى القانوني بحذر، مشيراً إلى أنه أخذ القضايا السابقة، بما في ذلك قضيتي “بيريغولد” (Perigold) و”فيشر” (Vescher)، بعين الاعتبار. كما راعى أن المدعى عليه قد أمضى بالفعل ما يقرب من ثلاث سنوات ونصف في الاحتجاز الاحتياطي، وبناءً على ذلك، خفّض العقوبة المطلوبة بمقدار 6 أشهر.
وفي النهاية، طالب الادعاء العام بالحكم بفرض عقوبة السجن لمدة 17 عاماً و6 أشهر، مع احتساب الفترة التي قضاها بالفعل قيد الاحتجاز الاحتياطي.
تنويه
لا تُعد هذه الوثيقة سجلاً رسمياً لجلسة المحكمة، وإنما هي ملخص جرى إعداده بالتعاون مع ‘مؤسسة نوهانوفيتش’ (Nuhanovic Foundation) استناداً إلى ملاحظات ميدانية جُمعت من خلال حضور ممثليها لجلسات المحاكمة. كما نود التنويه بأن هذه الترجمة هي ترجمة غير رسمية، نُشرت لأغراض المعلومات فقط، ولا تُعتبر وثيقة قانونية معتمدة




